محمد حسين علي الصغير
34
نظرات معاصرة في القرآن الكريم
ميزانا فيما بينه وبين نفسه كما في قوله تعالى : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ 14 القيامة / 14 . ثمّ يشير إلى طبيعته في التمرد وتجاوز الحدود ظلما وكفرانا كما في قوله إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ إبراهيم / 34 . ويعبر عنه مستفضعا ما جبلت عليه نفسه عنادا وإصرارا وطغيانا بما قال تعالى : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ 17 عبس / 17 . وحقق القرآن مع الانسان فيما يبقى له ، وما يتواجد معه ، بعد مفارقته الدنيا ووفوده على اللّه تعالى متحدثا عما ينفعه فيما عمل فقال : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى 39 النجم / 39 . وأشار أنه سوف يتذكر ذلك يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى 35 النازعات / 35 . ومع كل هذا التقويم لا يترك القرآن الانسان دون عظة وعبرة ونصح كريم : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً 36 القيامة / 36 . فيهزه من الاعماق ليقف به على تجاوزه وتعديه بما يكشف عنه قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ 6 الانفطار / 6 . وقد يقال في جواب هذا أنه ألهمه الجواب النّاجع : غرني يا رب كرمك . وهذا فضل جديد يضاف للأفضال السابقة ، وهنا يتطامن هذا الطاغوت لينظر إلى أولياته في التكوين ، ليكبح من جماح نفسه ، ويخفف من غلواء جبروته فيصكه اللّه تعالى بقوله : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ 5 خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ 6 يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ 7 إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ 8 الطارق / 5 - 8 . فإذا رجع إلى اللّه ، ووقف للحساب الجديد ، هنالك : يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ 10 كَلَّا لا وَزَرَ 11 إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ 12 يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ 13 القيامة / 10 - 13 . وهنا يصطدم هذا الانسان الغر الجاهل المتعنت الضعيف بالحقيقة الهائلة الكبرى إذ يقف بين يدي أعماله وذنوبه وجها لوجه ، لا ستار ولا حجاب ، ولا استقالة : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً 13 الاسراء 13 . هذه المفاجأة لجنس الانسان إلا المتقين يجب أن يقف بإزائها وقفة الصامد الخبير ، فأعماله متمثلة أمامه ، وأفعاله وأقواله متجسدة في قوالبها لديه ، والشاهد هو الحاكم ، والحاكم هو اللّه ، وكفى في ذلك شدة وروعة وترويعا وذهولا ، لهذا فقد حذر هذا الانسان من أهوال ذلك اليوم ومشاهدة ، قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ